القدس 11:01
الأحد 18 ، نوفمبر ، 2018

الأبعاد الرهيبة للاعتراف بيهودية إسرائيل

شحادة موسى

اثار تصريح ياسر عبد ربه، امين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، حول الاعتراف بيهودية اسرائيل، ردود فعل غاضبة في مختلف الاوساط الفلسطينية، لعل اكثرها اثارة للاهتمام ما صدر عن فصائل منظمة التحرير التي دأبت مؤخراً على انتقاد العودة للمفاوضات مع اسرائيل، وعن الفلسطينيين داخل الخط الاخضر (عرب 48) وهم معنيون مباشرة بالاعتراف المطلوب وبالتصريح المشار اليه.

وكان عبد ربه صرح لجريدة هآرتس الاسرائيلية في 13/10/2010 بأنه اذا قدم الاميركيون خريطة لدولة فلسطين على حدود 1967 فسوف نعترف بدولة اسرائيل على النحو الذي تريده (in any way it desires)، كما اننا نرغب في تسلم خريطة لدولة اسرائيل التي تريدنا اسرائيل ان نعترف بها.

جاء تصريح عبد ربه والانتقادات الموجهة له، في اطار ردود الفعل على دعوة نتنياهو، رئيس وزراء اسرائيل، للفلسطينيين للاعتراف بيهودية اسرائيل، وربطه تجميد الاستيطان بهذا الاعتراف. وكان نتنياهو قد اعلن دعوته، او شرطه هذا، في افتتاح الدورة الشتوية للكنيست حيث قال: اذا قالت القيادة الفلسطينية لشعبها بصورة قاطعة وواضحة بأنها تعترف باسرائيل كوطن قومي للشعب اليهودي فسأكون على استعداد لأن اجمع حكومتي لأطلب تجميداً إضافيا للبناء لمدة زمنية محددة (الصحف 12/10/2010).

وتركزت هذه الانتقادات، على ما يُعتبر النتائج المباشرة للاعتراف المطلوب، والتي تطال حق العودة للاجئين الفلسطينيين، كما تطال وجود الفلسطينيين الذين ظلوا في الاراضي التي احتلت عام 1948 وبقاءَهم فيها، اي في اسرائيل. ذلك ان الترجمة العملية للاعتراف باسرائيل وطناً قوميا لليهود، تعني ان حق الاقامة الدائمة/المواطنة فيها هو لليهود، وان لاسرائيل الحق في إبعاد غير اليهود عن ارضها.
ومع ذلك، فإن خطورة الاعتراف لا تقف عند هذا الحد، اذ يتبين من التدقيق في مضمون وخلفيات كلام نتنياهو، انه ينطوي على مقاصد اخرى تطال التاريخ والجغرافيا وكل ما يتصل بهوية هذه الارض ومستقبلها. فقد قال نتنياهو في خطابه اياه: إنني عندما استخدم مصطلح الاعتراف اقصد اعترافاً فلسطينياً باسرائيل بصفتها الوطن القومي للشعب اليهودي، هذا هو جذر النزاع ولذلك فإنه من الاسس المركزية لحله.

غير ان تصريحات مسؤولي السلطة الفلسطينية تشير الى انهم يتعاملون مع الموضوع بخفة مقصودة ربما، وكأن الاعتراف المطلوب مسألة شكلية تتعلق بمسمى او صفة اسرائيل، وذلك بإضافة لفظ «يهودية» الى اسم الدولة. فقبل تصريح عبد ربه كان رئيس السلطة محمود عباس قد صرح أثناء لقائه مع الجاليات اليهودية في نيويورك، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة في ايلول الماضي، بانه على استعداد للاعتراف باسرائيل اذا رغبت ان تسمي نفسها يهودية على غرار ايران الاسلامية (الصحف 23/9/2010). وكرر عباس حكاية الاسم والمسمى يوم 14/10/2010 (بعد تصريح عبد ربه) في مؤتمر صحافي مشترك في رام الله مع رئيسة فنلندا، حيث قال: نحن اعترفنا باسرائيل واذا اراد الاسرائيليون ان يُسموا انفسهم اي اسم فعليهم ان يخاطبوا الامم المتحدة.

والسؤال هو هل هذا فعلا هو ما تريده اسرائيل، ولماذا اذن تريد اعترافا جديدا من الفلسطينيين؟ والجواب ببساطة انها تريد اعترافاً من نوع آخر، ومن الفلسطينيين بالذات، اعترافاً يسلم بصحة المزاعم والاساطير الصهيونية بملكية اليهود لما يسمونها «ارض اسرائيل» التي يزعمون ان الله اعطاها لهم.

اما يهودية اسرائيل، بمعنى الطابع اليهودي للدولة، فذلك امر معترف به ومتعارف عليه، حتى من قبل ان تنشأ هذه الدولة عام 1948. فإسرائيل جاءت تجسيداً للدعوة الصهيونية لاقامة «الدولة اليهودية» او «دولة اليهود» على ارض فلسطين. وفي الامم المتحدة نص القرار رقم (181) لسنة 1947 الخاص بتقسيم فلسطين على ان تنشأ في فلسطين «الدولتان المستقلتان العربية واليهودية والحكم الخاص بمدينة القدس…». ومنذ تأسست دولة اسرائيل وهي تعمل من خلال القوانين والاجراءات على الارض لتحقيق هذه الغاية، اي يهودية الدولة. فقد قامت ،على سبيل المثال، بسن قانون العودة (لليهود) سنة 1950، وقانون الجنسية سنة 1952، وقانون المواطنة سنة 2003، التي تؤكد يهودية الدولة. وقامت بهدم ومحو مئات القرى الفلسطينية، وتغيير اسماء الاماكن والمواقع، في سياسة واضحة لتهويد البلاد.

وعلى صعيد آخر، برهن قادة اسرائيل على الدوام، أن الارض لا السلام هو ما يشغل اهتمامهم. كان ديفيد بن غوريون هو صاحب قرار التطهير العرقي وطرد الفلسطينيين من ارضهم عام 1948(انظر ايلان بابيه، التطهير العرقي في فلسطين، 1948). ومناحيم بيغن رفض في محادثات كامب ديفيد مع السادات (1978) البحث في موضوع الارض الفلسطينية التي احتلتها اسرائيل عام 1967،باعتبارها هبة من الله لليهود لا يملك هو، اي بيغن، التصرف بها. فعاد السادات ليعلن بلهجته المعروفة انه حصل للفلسطينيين على حكم ذاتي كامل، وهو ما يعني السيطرة على السكان من دون الارض. وفي محادثات اوسلو رفض الاسرائيليون الموافقة على طلب الفلسطينيين بحقوق وطنية، ووافقوا لهم على حقوق سياسية فقط، اي حكم ذاتي (يوميات شيمون بيريز، ص388). ونتنياهو نفسه قال في خطابه الاول بعد تسلمه رئاسة الحكومة: ان الشرط الاساسي لإنهاء النزاع هو الاقرار الفلسطيني العلني، الملزم والصادق، بإسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي («السفير» 15/6/2009).

لا شك في ان الفلسطينيين يعرفون ذلك، وياسر عبد ربه المثقف اليساري (سابقا) يعرف الابعاد الايديولوجية لكلام نتنياهو. ولكن السلطة، بمعنى سلطة الحكم، اصبحت عقدة كبيرة عند اصحاب سلطة اوسلو. فقد اظهروا باستمرار استعداداً لدفع الثمن مقابل الاحتفاظ بهذه السلطة، ولو كان ذلك على حساب الحقوق والثوابت الوطنية الفلسطينية. ولجأوا في سبيل ذلك الى التلاعب بالالفاظ، واستخدموا المصطلحات بطريقة غير نزيهة بل ومضللة احياناً.

لقد سكتت السلطة طويلا على الاستيطان، لعل اسرائيل تتوقف عند حد، ولكن هذه ماضية في التهام الارض حتى قيل «مش حيبقى للفلسطينيين حاجة». وصمتت على عمليات تهويد القدس. وبالرغم من الصور الحية التي تنقلها الاخبار يوميا عن هدم الاحياء والمنازل الفلسطينية في المدينة، وإخراج اهلها منها بالقوة وإلقائهم في الشارع بصورة مهينة، يقف مسؤولو السلطة يتفرجون على «المشهد» مع المتفرجين، ويكتفون بترديد العبارة المملة والممجوجة «ان ذلك لا يخدم عملية السلام». وينشغلون بالمظاهر المسرحية، مثل قطف الزيتون وإعداد الأكلات الشعبية باسم بناء الدولة.

ويبدو ان نتنياهو يعتقد بأن هذه السلطة يمكن ان تدفع ثمنا جديدا مقابل الاحتفاظ بسلطتها وتوسيع نطاقها، مثلما دفعت في «اوسلو» ثمن الحصول على السلطة. وكان في البداية يطرح الاعتراف بيهودية اسرائيل، كشرط للتوصل الى اتفاق سلام نهائي مع الفلسطينيين. اما الآن فيضع هذا الاعتراف شرطاً لموافقته على مجرد وقف الاستيطان لمدة محددة. والاعتراف، او الثمن الذي يطلبه، هو تنازل الفلسطينيين عن حقوقهم، في الحاضر وفي الماضي، في كل ما يتعلق بأرض فلسطين.

 ولنتذكر كلام نتنياهو في مناسبة سابقة هذا العام، حين تحدث في مؤتمر هرتسيليا العاشر مطلع شباط عن «الانخراط والتوحد مع افكارنا وماضينا ومستقبلنا، يجب ان نرتبط مع ارضنا هذه التي هي ارض اجدادنا وأرض ابنائنا وأحفادنا» (الصحف،3/2/2010).

هذا هو اذن بيت القصيد. وهذا ما يفسر الاصرار على الاعتراف الفلسطيني بيهودية اسرائيل. فقادة اسرائيل يعرفون انهم لو حصلوا على اعتراف العالم كله، فسوف يظل اعترافا منقوصاً بل ومشبوها، ما لم يقترن باعتراف من اصحاب الحق انفسهم، وهم الفلسطينيون. ويريد نتنياهو منهم اقراراً علنياً بأن اليهود هم اصحاب الحق في ارض فلسطين. وغني عن البيان ان مثل هذا الاقرار، ينطوي ضمناً على الاعتراف بحرية صاحب الحق – وهو هنا الاسرائيل – في التصرف بملكه، بما في ذلك ما يتعلق بالاقامة والمقيمين فيه، والذي سيكون تطبيقه موجها في الاساس لمنع اللاجئين من العودة الى «ارضه»، ولطرد الفلسطينيين الموجودين عليها. بل ولربما لا يكون مستغرباً اذا ما عمدت اسرائيل مستقبلاً الى توظيف هذا الاعتراف بمفعول رجعي، وإدانة كل من دخل هذه الارض بغير ارادة اصحابها اليهود.

وهذه هي الابعاد الرهيبة للاعتراف بيهودية اسرائيل. ومنها يأتي التخوف من تصريحات مسؤولي السلطة الفلسطينية حول هذا الاعتراف، سواء كان ذلك بتبسيطه وتصويره على انه اجراء شكلي، او بتأويل دعوة نتنياهو على انها موقف شخصي وتكتيك للتهرب من عملية السلام. فمثل هذه الفذلكات يمكن ان تشكل غطاءً وتبريراً للرضوخ لمطلب نتنياهو، والوقوع في المحظور.

ولذا وجب التنبه والتأكيد على الحقائق الاساسية التالية ذات الشأن وخلاصتها:

إن دعوة نتنياهو لا تعبر عن رأيه وحده، وإنما عن رأي قادة اسرائيل والرأي العام اليهودي فيها.

 وموقفه ليس تكتيكا، وإنما تجسيد لرؤية ايديولوجية وسياسية تجاه ارض فلسطين وهويتها ومستقبلها.

 وما يطلبه ليس اعترافا شكليا بمسمى الدولة او بصفة لها، فتلك قضية منتهية. ان ما يطلبه نتنياهو هو اقرار من الفلسطينيين، اصحاب الارض الشرعيين، وعلى الملأ، بأن فلسطين حق لليهود، وملكيتها حق لهم وحدهم.

ومثل هذا الاعتراف لو حصل، فسوف يكون بمثابة كارثة جديدة، وخطيئة كبرى بحق فلسطين وشعبها.

جريدة السفير


حقوق الملكية © كتلة الوحدة العمالية الفلسطينية
Design By Site Trip